الجمعة، 2 يناير 2015

دراسة في القانون : التزام المكتري بأداء واجب ضريبة النظافة للمكري

دراسة في القانون : التزام المكتري بأداء واجب ضريبة النظافة للمكري

 

كثيرا ما يرفع المكترون دعاوى ضد المكترين منهم من أجل مطالبتهم، بأن يردوا لهم المبالغ التي أدوها عنهم لفائدة إدارة الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة لها برسم واجب ضريبة التنظيف، وذلك دون أن يؤطروا هذه الدعاوى تأطيرا قانونيا سليما يتبين لهم من خلاله مصدر التزام هؤلاء المكترين بأن يؤدوا لهم تلك المبالغ .  مما يؤدي، في غالب الأحيان، إلى تفاجئهم بعدم قبول دعاواهم .
المدعون، ولو أنهم في القانون المغربي، غير ملزمين بتأطير دعاواهم من الناحية القانونية ببيان النص الواجب التطبيق على الوقائع التي يسوقونها في مقالاتهم، كما هو العمل جار به في بعض القوانين التي تأخذ بنظرية الحياد  السلبي للقضاء الشهيرة بـ «نظرية شرعية الإجراءات » أو «نظرية القاضي النمساوي»، لأن القانون المغربي الذي لم يأخذ بهذه النظرية، يعتنق النظرية الأخرى القائلة بأن «الوقائع ملك للمدعي والقانون ملك للمحكمة» الشهيرة بـ «نظرية أعطني وقائع أعطيك قانونا»، وقد أورد نصا يكرسها في قانون المسطرة المدنية هو نص الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء ينص على ما يأتي : «يتعين على المحكمة أن تبت في حدود طلبات الأطراف، ولا يسوغ لها أن تغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات، وتبت طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة» ، إنهم ولو أنهم غير ملزمين بذلك، إلا أنه من المفيد لهم أن يكونوا عارفين بمصدر التزام المكترين منهم بأداء واجبات ضريبة التنظيف لهم هل هو العقد أو الإرادة المنفردة أو العمل غير المشروع أو الإثراء بلا سبب أو القانون؟ ، وذلك لما يترتب، من الناحية العملية، عن اختلاف أسس الدعوى ومصادرها من اختلاف في الآثار القانونية سواء فيما يتعلق بالاختصاص أو فيما يتصل بالإثبات أو فيما يهم التقادم .  
فما هو إذا مصدر التزام المكترين بأداء واجب ضريبة التنظيف للمكرين الذين يؤدون عنهم هذا الرسم لفائدة إدارة الضرائب ؟ 
للجواب على هذا السؤال نبادر إلى قول  إن تحصيل  واجب ضريبة التنظيف من قبل إدارة الجبايات، إذا كان التزاما قرره القانون لفائدتها، يمكنها تستخلصه من المكلفين بها، بكافة الوسائل، بما فيها مسطرة استيفاء الديون العمومية المنظمة بمقتضى القانون رقم 97 - 15 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، فإن مطالبة المالك، أو غيره، المكلف بأدائها، هو التزام مصدره الإثراء بلا سبب، باعتباره عملا من أعمال الفضالة، تنطبق عليه مقتضيات الفصل 67 من قانون الالتزامات والعقود . 
ومن تم لم يكن لهذا الفضولي الحق، سوى في مطالبة من انتفع من فعله، بأن يعوضه في حدود ما حصل له هو من افتقار، وما أثرى به هذا المستفيد من فعله . وهذا يحتاج، بطبيعة الحال، إلى الإثبات. ولا يغني عنه مجرد التمسك بالقيمة الكرائية السنوية للمطالبة بمقابل الضريبة على التنظيف الواجبة عنها، بحسب النسبة السارية المفعول قانونا بالجماعة الترابية المفروضة فيها، وقدره الأقصى هو 10 % ، كما هو معلوم، بالجماعة الحضرية لمدينة الجديدة. 
وذلك لأن هذه النسبة ، تهم العلاقة مابين إدارة الجبايات والمكلف بأداء الضريبة، ومصدر الالتزام بها هو القانون، كما سبق التنويه إلى ذلك، ولا يهم العلاقة ما بين الفضولي والمستفيد من عمله، ومصدرها الإثراء بلا سبب، كما سلف البيان. وذلك، حتى لو كان هذا الفضولي، هو في الوقت 
نفسه، وهو ما يحدث في غالب الأحيان، المالك المكري للمكلف بأداء هذه الضريبة . 
فلأنه مالكا للعين المكتراة، لا يخول له الحق سوى في مطالبة المكتري منه بتنفيذ التزاماته الناشئة عن عقد الكراء المبرم بينهما. ولا يمنح له الحق في مطالبته بتنفيذ التزامات قررتها مصادر الالتزام الأخرى بالنسبة للغير ، كما هو الحال مثلا في هذه النازلة.
وهكذا نستخلص مما تقدم، أنه عندما يطالب المالك المكري، الشخص المكتري منه، بأداء واجب ضريبة التنظيف، التي يكون قد دفعها عنه لفائدة إدارة الجبايات، فإننا نكون هنا أمام ثلاث علاقات : علاقة أولى ما بين المكري والمكتري، وهي علاقة كراء ينظمها هذا العقد المبرم بينهما، وتكون كل الالتزامات الناشئة عنها مصدرها هذا العقد وحده دون سواه . 
وعلاقة ثانية ما بين إدارة الضرائب وهذا المكتري المكلف بأداء ضريبة التنظيف لفائدتها، بحسب المقادير المحددة قانونا. وهذه العلاقة يحكمها القانون الذي هو مصدر الالتزام بأدائها. وعلاقة ثالثة أخيرة، ما بين المكري والمكتري منه الذي انتفع من فعله المتمثل في دفعه عنه واجب ضريبة التنظيف إلى مصلحة الضريبة. 
وهذه العلاقة تندرج ضمن أعمال الفضالة، التي تسودها قواعد الإثراء بلا سبب. بما فيها، بطبيعة الحال، وجوب استظهار الفضولي بما يثبت به افتقاره، وانتفاع غيره من هذا الافتقار، حتى تمكن له المطالبة بتعويضه في حدود هذا الافتقار والاغتناء.

بقلم:    محمد فجار , نقيب سابق بهيأة المحامين بالجديدة

الثلاثاء، 11 مارس 2014

دراسة في القانون: نظام بيع العقار في طور الإنجاز عديم الفعالية (1/3)


بقلم:  الدكتور محمد الباكير, أستاذ بكلية الحقوق بالدارالبيضاء
جريدة الصباح الأربعاء, 13 نوفمبر
عندما صدر القانون رقم 00-44 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز، استبشر المهنيون، و في مقدمتهم رجال القانون، خيرا بما جاء فيه من مستجدات. ذلك أن المشرع قد سعى فيه، على ما بدا للجميع، إلى وضع إطار قانوني هام للمعاملات والعقود المبرمة بشأن العقارات التي مازالت في طور الإنجاز، قادر على توفير الحماية اللازمة لمصالح المستهلكين، سواء من خلال تجاوز سلبيات العقود المعروفة بتسمية «الوعد بالبيع»، أو من خلال تمكين المشترين من ضمانات معقولة مقابل ما يدفعونه من أموال.


لعل أهم هذه الضمانات وأبرزها تتمثل في ذلك النظام الذي وضعه المشرع بخصوص عملية إبرام عقد البيع الابتدائي، سواء من حيث شكلياته، أو زمنه، أو الالتزامات المفروضة على رب المشروع قبل الشروع في إبرام العقود، أو تلك التي تقع على عاتقه بعد إبرامها. فهذا النظام إذا كان يرمي كما هو حال أنظمة كافة أنواع العقود، إلى ضبط التزامات الأطراف وضمان حقوقهم خلال التنفيذ، وحماية مصالحهم المشروعة عند وقوع إخلالات في تنفيذ تلك الالتزامات، فإن الهاجس الرئيسي وراءه كان هو حماية أموال المستهلكين من الاستغلال من قبل المنعشين العقاريين، الذين يقومون بتحصيلها تحت غطاء اتفاقي لاستعمالها في تمويل مشروعاتهم المختلفة، دون عناية بمصالح دافعي هذه الأموال، أو مع الإضرار البالغ بها.
فمن بين الممارسات المشينة التي كان ولا يزال عدد كبير من المنعشين العقاريين يقومون بها، أنهم يبرمون وعودا بالبيع مع المستهلكين قبل الشروع في أشغال البناء بواسطة عقود عرفية عموما، مع التعهد بتسليم العقارات في آجال معينة، لكن دون إعطاء أي ضمانات ما عدا عقد الوعد نفسه وما يتضمنه من شروط جزائية هزيلة، ثم يستغلون تلك الأموال في تغذية أنشطتهم المختلفة. فإذا استطاعوا إتمام البناء في الأجل المتفق عليه، وهو أمر نادر الوقوع، كان به، وإلا فإنهم يماطلون ويسوفون، ولا يكون أمام المستهلك سوى الانتظار مع وعد بتعويض ضعيف، أو سلوك المساطر القضائية التي لا تخرج عن سبيلين: إما دعوى إتمام البيع، وإما الفسخ مع تعويضات لا تتناسب مع حجم الضرر الذي لحق بهم.  وفي جميع الأحوال يظل المنعش العقاري المستفيد الأكبر، لأنه يحتفظ بالأموال التي اختلسها من المشترين لأطول مدة ممكنة ضمن أصوله النقدية ويستخلص منها أكبر نفع ممكن و فوائد أهم من أن تتأثر بالتعويضات التي قد يدفعها إلى زبنائه.
لذلك نجد أن التشريع الخاص بالعقارات في طور الإنجاز فرض صب المعاملات المتعلقة بها في قالب عقد ذي شكليات وشروط دقيقة، يضمنها تدخل محرر للعقود تتوفر فيه الأهلية اللازمة، وذلك لتحديد الالتزامات الواقعة على الأطراف بشكل ينفي عنها اللبس ويعزز الحماية المقررة للحقوق المترتبة عن العقد. غير أن الأمر لم يقف عند تحديد الشروط الشكلية للمحرر الحامل للاتفاق، بل تعداه إلى رسم إطار مفاهيمي، وزمني، وإجرائي متميز.
فمن جهة أولى، ورغبة في قطع طريق التحايل، جعل المشرع من صفة «بيع عقار في طور الإنجاز» تكييفا قانونيا يلتصق بكل اتفاق يتضمن التزاما من أحد الطرفين بإنجاز عقار داخل أجل محدد مقابل التزام الطرف الآخر بأداء الثمن تبعا لتقدم الأشغال. وبالتالي، فإن نظام بيع العقار في طور الإنجاز يفرض نفسه على الأطراف كلما تضمن اتفاقهم الالتزامات المذكورة، حتى ولو فضلوا تسميته وعدا بالبيع أو أي اسم آخر.
 من جهة أخرى، وضع القانون المذكور لإبرام العقد الرامي إلى بيع عقار مازال في طور الإنجاز عتبة زمنية، تتحدد بتاريخ الانتهاء من أشغال الأساسات على مستوى الطابق الأرضي، والغاية من هذا التحديد الزمني تجنيب المستهلك فخاخ النصب وإرغام المنعشين على التحلي بقدر أدنى من الجدية عبر إجباره على مباشرة الأشغال والاستمرار فيها إلى النهاية. ويبقى من المفيد أن ننبه إلى أن الفصل 5-618 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على ذلك، حتى وإن لم يعتن بتوضيح مصير الاتفاقات المبرمة قبل الانتهاء من أساسات الطابق الأرضي، فإنه عندما أكد على أنه لا يمكن إبرام العقد الابتدائي قبل ذلك التاريخ، يكون قد وضع مانعا قانونيا أساسيا يجعل قيام هذا العقد أمرا مستحيلا استحالة قانونية. ومن تم فإن كل اتفاق يتم دون احترام الحد الزمني المذكور يكون باطلا بطلانا مطلقا ولا يسوغ التمسك به.
بل إنه قد يكون من الممكن مساءلة محرر العقد لتعويض الضرر اللاحق بالطرف حسن النية إذا حرر العقد دون مراعاة المانع المذكور أو دون التأكد من ارتفاعه. وهو ما يفسر وجوب إرفاق العقد بشهادة مسلمة من قبل المهندس المختص تثبت الانتهاء من أشغال الأساسات الأرضية للعقار، طبقا لآخر فقرة من الفصل 4-618 من قانون الالتزامات والعقود.  
ومن جهة ثالثة، نجد أن التأطير التشريعي امتد إلى فرض عدد من الالتزامات الوقائية –إذا صح التعبير- الكفيلة يضمان جدية المنعش العقاري و حماية أموال الزبناء. فقد أوجب القانون على البائع أن يضع دفترا للتحملات يتعلق بالبناء ويتضمن مكونات المشروع وما أعد له ونوع الخدمات والتجهيزات التي يتوجب إنجازها وأجل الإنجاز والتسليم، وأن يودع هذا الدفتر مع التصاميم و مع نظام الملكية المشتركة (إذا تعلق الأمر بسكن مخصص للملكية المشتركة) بالمحافظة العقارية إذا كان العقار محفظا، وإلا فبكتابة ضبط المحكمة الابتدائية المختصة، وذلك لتمكين العموم من الاطلاع على كافة المعلومات والمعطيات الخاصة بالعقار، وتقليص إمكانيات تلاعب البائعين سيئي النية. ثم إنه لم يقف عند ذلك، إذ جعل هذه الوثائق جزءا من العقد، فأوجب إلحاق نسخ مطابقة للأصل منها بالعقد، كما فرض أن يتم توقيعها من قبل البائع والمشتري معا، وأن تسلم إلى المشتري نسخة منها مشهود بمطابقتها للأصل وبصحة إمضائه عليها.
هذه الالتزامات تعزز جدية المنعش العقاري وحسن تنفيذه لشروط البيع، من ناحية، وتمنح للمشتري ضمانات إضافية بشأن استجماع العقار لكافة المواصفات التي كانت وراء سعيه لتملكه، من ناحية أخرى.

دراسة في القانون : الطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية (1/3)


مما لاشك فيه، أن معظم الأنظمة القانونية تخول للنيابة العامة بوصفها ممثلة للمجتمع، صلاحية تحريك الدعوى العمومية ضد كل شخص ارتكب جريمة  من الجرائم بالنظر لما تحدثه من اضطراب داخل المنظومة المجتمعية.

يقوم نظام المتابعة الجنائية على مبدأين، الأول وبمقتضاه لا تملك النيابة العامة سلطة تقدير ملاءمة تحريك أو رفع الدعوى الجنائية، بحيث يتوجب على النيابة العامة بمجرد علمها بارتكاب جريمة ، تحريك الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي (والمساهم أو المشارك إن وجدا) الذي نسبت إليه في المحضر أو الشكاية أو الوشاية، على اعتبار أن تقدير الأدلة متروك أمره إلى القضاء سواء كان قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، وهذا المبدأ يعرف بشرعية المتابعة.
أما الثاني فبموجبه يتم تخويل النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك الدعوى العمومية من عدمها بناء على ما توفر لديها في المحضر أو الشكاية أو الوشاية، فإذا ارتأى نظرها تحريك المتابعة أحالتها على قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، أما إذا قررت العكس فإنها تصدر مقررا بحفظ الشكاية أو المتابعة  ضد من نسب إليه الفعل الجرمي.
وباستقراء موقف بعض التشريعات المقارنة يتضح جليا أنها تبنت المبدأ الثاني القاضي بتخويل النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك المتابعة أو حفظها، وفي هذا الصدد نصت المادة 61 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على ما يلي:» إذا رأت النيابة العامة أن لا محل للسير في الدعوى، تأمر بحفظ الأوراق». كما ذهب قانون المسطرة الجنائية الفرنسي في التوجه نفسه من خلال الفصل 40-1 في فقرته 3 المعدل بمقتضى قانون رقم 204- 2004. 
وفيما يخص المشرع المغربي فإذا كانت المادة 383/ من قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959 الملغى لم يرد فيها مصطلح الحفظ، فإن القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية لسنة 2003 نص صراحة على هذا المصطلح، وعليه ففيما يخص وكيل الملك نصت الفقرة 4 من المادة 40 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية «...يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيآت التحقيق أو إلى هيآت الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه...» أما بالنسبة إلى الوكيل العام للملك فقد نصت الفقرة 5 من المادة 49 «...يحيل الوكيل العام للملك ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيآت التحقيق أو إلى هيآت الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه...».
ومن منطلق المسؤولية الملقاة على عاتق النيابة العامة كجهاز قضائي لا يسعى إلى الإدانة، بقدر ما يسعى إلى تطبيق القانون، التطبيق السليم وتحقيق العدالة، فإنه يتعين على أعضائها توخي الحيطة والحذر في شأن المحاضر والشكايات والوشايات المحالة عليها، مع ملاءمة الإجراء للوقائع والأدلة بشكل يضمن حرية المواطن، علاوة على التزام الحياد والمصداقية في كل ما يقومون به من إجراءات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مقرر الحفظ الصادر عن النيابة العامة في شأن جريمة من الجرائم، على اعتبار أن عمل النيابة العامة يجمع بين ما هو إداري وآخر قضائي، الشيء الذي يدفعنا إلى طرح التساؤل حول طبيعته القانونية، هل يعتبر مقرر حفظ الشكاية مقررا قضائيا صادرا عن سلطة قضائية أم مقررا إداريا؟.
إن الإجابة على التساؤل المطروح المتعلق بالطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية يفرض علينا أولا وقبل كل شيء تحديد مفهومه. لذلك سوف نعالج في مبحث أول مفهوم مقرر الحفظ على أن نخصص المبحث الثاني لطبيعته القانونيــة

المبحث الأول: مفهـــوم مقرر الحفظ
إن تحديد مفهوم مقرر حفظ الشكاية من قبل النيابة العامة، يقتضي منا استعراض بعض الآراء سواء على المستوى الفقهي أو على المستوى القضائي.
أولا ـ التعريف الفقهــــي
في ظل غياب تعريف تشريعي لمقرر الحفظ الذي تصدره النيابة العامة، تصدى الفقه لهذه المهمة على اعتبار أن وضع التعاريف يدخل في صميم العمل الفقهي، لذلك كان من الطبيعي أن تتباين التعاريف الفقهية في هذا الصدد.
وفي هذا الإطار، ذهب بعض الفقه المصري إلى القول إن قرار الحفظ أمر يصدر عن النيابة العامة في واقعة سواء كانت جناية أم جنحة أم مخالفة، عقب جمع الاستدلالات، وقبل مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق.
  بينما عرفه البعض الآخر بأنه أمر إداري من أوامر التصرف في الاستدلالات، تصدره النيابة العامة لتصرف به مؤقتا عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع بغير أن يحوز أي حجية يقيدها.
وفي السياق نفسه اعتبر اتجاه آخر بأنه إجراء إداري تصدره النيابة العامة، بناء على محضر جمع الاستدلالات بمقتضاه تعدل النيابة العامة عن توجيه اتهام ورفع الدعوى العمومية نظرا لعدم صلاحيتها للسير فيها.   
كما ذهب تعريف آخر إلى القول بأن مقرر الحفظ إجراء إداري يصدر عن النيابة العامة بوصفها السلطة الإدارية المهيمنة على جمع الاستدلالات، عملا بالمادة 61 من قانون الإجراءات الجنائية وما بعدها، ويجوز العدول عنه في أي وقت، ولا يقبل تظلما، أو استئنافا من المجني عليه أو المدعي بالحقوق المدنية.
 ذ/ لحسن الزتوني ,بـــاحث فـي العلوم القانونيـــة

الثلاثاء، 4 مارس 2014

إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟

إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟
محمد الهيني
مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط

إن قرارات المجلس الأعلى للقضاء قابلة للطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ليس استنادا للفصل 114 من الدستور وإنما استنادا للفصل 118 منه تأسيسا على قاعدة دستورية وطنية ودولية مؤداها عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن ،وهذه قاعذة بديهية ومن مسلمات وأبجديات القضاء الإداري ،ولا يحتاج الطعن لأي نصوص تنظيمية تقر الحق فيه ،لأنه من النظام العام،لكن فعالية هذا الحق وليس ممارسته يتوقف على الارتقاء بالغرفة الإدارية بمحكمة النقض إلى مصاف هرم قضائي إداري يطلق عليه مجلس الدولة أو المحكمة الإدارية العليا
وهكدا ينص الفصل118 من الدستور على أن "حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.
كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة"
هذه القاعدة استقر عليها قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والمحاكم الإدارية حتى قبل صدور الدستور ،لكون الطعن بالإلغاء من النظام العام وعنوان الشرعية وسيادة القانون .
وتتميز دعوى الإلغاء بمجموعة من الخصائص نذكر منها :
- أنها دعوى عينية و موضوعية :
لقد اعتبرت المحكمة الإدارية بوجدة في حكم لها صادر بتاريخ 24/5/2000، أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية وعامة،تستهدف مخاصمة القرار الإداري، وبالتالي لا مجال للتدخل الإرادي فيها، ما دام الحكم الصادر بشأنها سيستفيد منه كل من له علاقة به. ويقصد بالتدخل الإرادي المنصوص عليه في الفصل 111 وما بعده من قانون المسطرة المدنية،حق كل من له المصلحة في التدخل في النزاع المعروض أمام المحكمة، وهو يكون إما انضماميا أو اختصاميا.
– أنها دعوى مصلحة عامة:
ذلك أن دعوى الإلغاء ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، فإلغاء القرار الإداري لا يعني إلا شيئا أساسيا، وهو محو نتائج عدم المشروعية، الشيء الذي يدفع بالإدارة المعنية إلى الاتعاظ، وعدم مخالفة القانون في مثل نفس النازلة، لذلك قيل بأن حكم الإلغاء له حجية مطلقة في مواجهة الكافة.
- أنها دعوى مشروعية:
فهي دعوى تنتمي إلى قضاء المشروعية، وهذا يعني أن دعوى الإلغاء لا ترفع إلا ضد قرار إداري غير مشروع، لمخالفته قواعد القانون، أما إذا خالفت الإدارة بقرارها اعتبارات العدالة المجردة مثلا، دون مخالفة القانون، فإن هذه المخالفة لا تكفي وحدها لرفع دعوى الإلغاء.
– أنها دعوى من النظام العام:
تعتبر أيضا دعوى الإلغاء أيضا دعوى من النظام العام، وذلك نظرا للنتائج التي تترتب عنها والتي تتجلى فيما يلي :
- لا يجوز التنازل مسبقا عن رفع دعوى الإلغاء،أي قبل إقامتها، بخلاف الأمر في الدعوى الشخصية،لأنه بعد رفعها وإقامتها،يجوز لصاحب المصلحة التنازل عنها .
- كذلك لا يجوز التنازل عن حكم قضى بإلغاء قرار إداري غير مشروع، فهو قد ألغي ولا يمكن إحياؤه من جديد عن طريق التنازل، وتبقى الإدارة المحكوم عليها دائما مطالبة بتنفيذه.
- الأصل هو أن دعوى الإلغاء ترفع ضد أي قرار إداري،دون حاجة إلى النص على ذلك صراحة.
- دستورية الحق في التقاضي، لأن الحق في التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه، وعن مصالحه التي يحميها القانون طبقا للفصل 118 من الدستور المغربي الجديد.
- يعتبر الدفع بقوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء من النظام العام، يمكن للمحكمة إثارته تلقائيا على خلاف القواعد العامة.
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 13-9-2012 "تكتسي قوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء طابع النظام العام، باعتبار أنها عنوان المشروعية وسيادة القانون، ويمكن للمحكمة بناء على ذلك تلقائيا أن تثير هذا الدفع".
- عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن، لأن كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة طبقا للفقرة الثانية من الفصل 118 أعلاه.
ولاشك أن سمو القاعدة الدستورية،على ماعداها من نصوص قانونية،يشكل تكريسا للشرعية وسيادة للقانون،باعتبارهما من مبادئ دولة الحق والقانون التي تأبى تحصين أي قرار إداري ،مهما علا شأنه،وتعددت مصادره،واختلفت مجالاته من الرقابة القضائية،لكون القضاء هو الحامي الطبيعي والحارس الأمين للحقوق والحريات .
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بوجدة صادر بتاريخ 8-3-2000"إن الطعن بالإلغاء ضد المقررات الإدارية يهدف إلى حماية الشرعية، ولا ينفلت منه أي مقرر إداري ولو تعلق الأمر بمقرر صدر في إطار قانون،ينص على عدم قابليته للطعن، مادام أن مبدأ مراقبة الشرعية يعتبر مبدأ دستوريا".
كما جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير صادر بتاريخ 20-7-1995 "تعتبر دعوى الإلغاء بمثابة دعوى القانون العام لإلغاء القرارات الإدارية عموما، أي يمكن أن توجه ضد أي قرار إداري دونما حاجة إلى نص قانوني صريح.
وحيث إنه لا يقبل وفقا لروح قانون 41-90 تحصين أي قرار من مراقبة قاضي المشروعية وحرمان المواطن في دولة الحق والقانون ،ضمانا لحقوقه وحرياته من مراقبة أعمال الإدارة،عن طريق دعوى الإلغاء التي تمارسها هيئة مستقلة عن الإدارة،تتكون من قضاة تابعين للسلطة القضائية،ولا يخضعون للتسلسل الرآسي أو لأي نوع من الوصاية،ويستعملون اختصاصاتهم من أجل حماية المواطن والإدارة معا".
وقد طبقت محكمة النقض ذات المبدأ في "قضية وليام وول" حيث لم يقبل إدعاء الإدارة،بكون القرار غير قابل للطعن ، بعلة أن النص المستند عليه هو نص عام،لا يمكن الاحتجاج به لأن إرادة المشرع في استبعاد دعوى الإلغاء لم تكن واضحة.
نفس المبدأ أكده قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 27/12/2006 جاء فيه "إذا كان الفصل 12 من ظهير 27/04/1919 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية،قد نص على عدم قابلية مقررات مجلس الوصاية للطعن، فإن هذا المنع لا يمكن أن ينسحب أثره على دعوى الطعن بالإلغاء،الذي يمكن القضاء الإداري من بسط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية، وفحص مدى مطابقتها للقانون.
وقد توج هذا المسار القضائي الرائد للقضاء الإداري بالمغرب،في منع وحظر تحصين أي قرار الإداري من الإفلات من الرقابة القضائية،بتأكيد الدستور الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 29 يوليوز 2011،على هذا المبدأ لأول مرة في الفصل 118 منه،بأن" كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة. "
وإذا كان الدستور قد ارتقى بقاعدة عدم تحصين القرارات الإدارية من الطعن إلى مستوى القاعدة الدستورية ذات القيمة الأسمى، والتي تحتل مركزا قياديا ورئيسيا في هرم التراتبية التشريعية، فإن أي نص قانوني لا ينضبط لمفهوم القاعدة الدستورية، يكون مشوب بعيب عدم الدستورية
الحاجة لإحداث المحكمة الإدارية العليا لدعم فعالية الطعن في قرارات الوضعية الفردية الماسة بالقضاة

إن بناء صرح قضاء إداري فعال ومتخصص في البت في المنازعات الإدارية متوقفا على إحداث محكمة إدارية عليا قائمة بذاتها كما بشر بها الدستور الجديد(الفصل 118) التي ستعلو الهرم القضاء الإداري،لتحقق ازدواجية كاملة للقضاء ،تسهر على مراقبة تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا وتوحيد الاجتهاد القضائي،وبالتالي الإسهام في ضمان الأمن القضائي الذي أشار إليه الفصل 119من الدستور.
ولا شك أن معظم التغيرات الحاصلة في المنظومة الدستورية مست عمل القضاء الإداري على مستوى إقرار مبدأ دستورية الرقابة القضائية الإدارية وحظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري والقضائي،لذلك يلزم التأكيد على :
-أن القضاء الإداري خيار استراتيجي دستوري لا محيد عنه في مواصلة بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون،بتنصيص الدستور صراحة على القضاء الإداري في الفصلين 114و 118 منه،وحماية مجال اختصاص هذا القضاء.
-ملائمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد
-استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.
-دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.
-تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة ،فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملائمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في نفس الوقت وبت الطمأنينة والأمان على مصائرهم .
-تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية .
-ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.
- مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا.
- تمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية.
-تنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي.

-إحداث مؤسسة المفوض الملكي وتدعيم دورها على صعيد المحكمة الإدارية العليا
-إحداث غرفة التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري .
ومما لاشك فيه فإنه لا يعقل بعد أكثر19من سنة من عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث المحكمة الإدارية العليا لأكثر من هذا الوقت ،مادام أن إحداثها له مرجعية سامية أكدها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 حيث قال حفظه الله "ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين".وهو خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين الغيوريين على حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه،والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي تخلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائين ،وتوطد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا،وتدعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه ،وتكرس توحيد الاجتهاد القضائي وتحقيق الأمن القانوني والقضائي
وقد مكن الإصلاح الدستوري من خلق دينامية جديدة على مستوى القضاء الإداري، من خلال إرسائه لمبادئ الحكامة الجيدة، مما أصبح معه القضاء المذكور مدعوا إلى الانخراط في دعم وتكريس المبادئ المذكورة خلال بته في المنازعات المعروضة عليه، فضلا على أن المستجدات الدستورية فرضت على مؤسسة القضاء الإداري ضرورة مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات،كما استوجبت تطوير تنظيم القضاء الإداري،ذلك أن التنصيص الدستوري الصريح على دور القضاء في ضمان الأمن القضائي،يقتضي تقريب القضاء الإداري من المواطن "قرب الجودة والإنصات والشفافية "لا "قرب المسافة والطرق"، وذلك بإقرار حقيقي لازدواجية القضاء،مع إعادة النظر في الخريطة القضائية.
و بخصوص الخريطة القضائية،فإنه لا يمكن الحديث عن حماية القاضي الإداري لحقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، في ظل خريطة قضائية يشوبها عدم التوازن من حيث توزيع المحاكم الإدارية وكذا عددها،تماشيا مع التنظيم الجهوي المرتقب.
وعلى المستوى التشريعي، يتعين إفراد قانون إجرائي خاص بالقضاء الإداري يتلاءم مع خصوصية المادة الإدارية ، ويتدارك الإختلالات الإجرائية التي كشفت عنها الممارسة القضائية.
-الحفاظ على تخصص القضائين الإداري والتجاري ودعمهما بمحاكم جديدة تغطي سائر جهات المملكةوإن كنا نفضل أن يتم الإبقاء على التخصص باعتباره وسيلة وغاية للاحترافية والتمرس والكفاءة في جميع المجالات القانونية و القضائية ،لأن التعميم والوحدة يضر أكثر مما ينفع،ويؤثر على استقرار المنظومة القضائية ويخلق بلبلة في نفوس المتقاضين،مما يساهم في اهتزاز الأمن القانونية والقضائي.
-العدول عن فكرة الأقسام المتخصصة بالمحاكم العادية لأنها ستنسف جهود سنوات من التخصص والتكوين والعطاء والتميز ،وسيصبح التخصص شعار أكثر من ممارسة لأنه لا يعقل أن يوكل لقضاة عاديون ممارسة تخصصات عدة لا علاقة لها بالإطار العام للاختصاص،لاسيما وأنه لا توجد ضمانات على تكوينهم وإفرادهم بنظر هذه المنازعات ذات الطابع التخصصي دون غيرها ،ففكرة تقريب القضاء من المتقاضين لا تتعلق بنظرة تبسيطية لعنصر المسافة"القرب الجغرافي " وإنما المقصود منها مقاربة القرب التخصصي بنظرة"قرب الجودة ".
وفي الأخير نختم بالقول أن الإبقاء على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض كجهة للطعن في قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية مقترح غير دستوري وغير منصف ويخالف مبادئ الحياد والعدالة التي تقتضي تولي جهة قضائية حيادية لا ينتمي أعضائها أو رؤسائها للمجلس ،لأن القاضي في حاجة إلى قاضيه الطبيعي وهو القاضي الإداري على مستوى الدرجة العليا لإحقاق الحقوق ورفع المظالم ورد الشطط ،وبغير ذلك فمصائر القضاة واستقلالهم معلق إلى حين ؟فكيف نحمي المتقاضي والقاضي خائف بل ومذعور عن ضبابية مستقبل يؤرخ له "المتحفظون "على القضاء المتخصص بل والغريبة قواعده عنهم ،والذي سيجعل الطعن على القرارات الماسة بالوضعية الفردية للقضاة بلا عنوان ولا طعم ولا رائحة زكية؟؟وكأني بالمشروع يقول للقاضي اطعن ،فأنت خاسر منذ البداية له؟يكفيك ربح الوقت وخسران القضية؟تحمل جرأة المشرع؟وفتوى المفتين؟فهل من مجيب؟فللتنظر جميعا قرار محكمتنا الدستورية؟
 

الجمعة، 10 يناير 2014

دراسة في القانون: خدم البيوت وسؤال الحماية القانونية (1/3)

إذا كان  من واجبات الزوجة الشرعية  أن  تشرف بنفسها على شؤون بيت الزوجية ، فإن خروجها للعمل  قد يجعل مجرد الإشراف أمرا مرهقا.
  وإذا كانت الزوجة والحالة هاته عاجزة بمفردها، فهي حتما قادرة بغيرها، ومن ثم تأتي الحاجة الملحة لاستئجار عمل الغير،
ليس فقط للإشراف على شؤون بيت الزوجية وإنما للقيام بها. كثيرات هن النساء من يجدن سعادة غامرة، وهن يقمن بأعباء بيت الزوجية وليس مجرد الإشراف عليها رغم انشغالاتهن المهنية، وحتى إن فوضن ذلك للغير، فلا يكون التفويض مطلقا بأن يصل إلى حد التشويش على العلاقة الحميمية التي تجمع أفراد الأسرة سيما الزوجين. بمعنى أن هناك أعباء لا يمكن بأي حال من الأحوال تفويضها للغير، بل الأجدر أن تقوم بها الزوجة لفائدة زوجها وأبنائها رأسا وليس مجرد الإشراف عليها أو تفويضها للغير .
وبعيدا عن الجدل الفقهي حول مسألة القيام  شخصيا بأعباء وشؤون بيت الزوجية أو مجرد الإشراف عليها والتي أفاض بشأنها فقهاء الشريعة الإسلامية قديمهم وحديثهم، فإن ثمة حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها وهي ضرورة الاستعانة بالغير للقيام بأعباء البيت سواء كانت الزوجة موظفة أو عاملة أو مجرد ربة بيت متفرغة، الأمر الذي يستلزم  التفكير في وضع إطار قانوني يحدد العلاقة بين الخادم والمخدوم، سيما في ظل الخصوصية التي يتميز بها عقد الخدمة في البيوت والذي يجعل من هذا العقد عقد من نوع خاص .
وسنتناول عقد الخدمة في المنازل من خلال محورين أساسيين، نخصص الأول للحديث عن مفهوم هذا العقد وخصائصه وتطوره  مع الوقوف على تجارب بعض الدول العربية في هذا المجال. على أن نخصص المحور الثاني لتسليط الضوء على  التجربة المغربية التي ما زالت مجرد محاولة  (مشروع قانون 12-19)  والذي لم ير النور باعتباره أحد آفاق الحوار الاجتماعي .
ماهية عقد الخدمة في البيوت  تطوره وخصائصه
إن ظاهرة الخدمة في البيوت أو المنازل ظاهرة قديمة سرعان ما عرفت تطورا، إذ انتقلت من مجرد استخدام خدم من مواطني الدولة نفسها بل ومن مواطني المدينة نفسها أو القري ، إلى استقدام خدم من دول أخرى كالفلبين وبعض دول إفريقيا جنوب الصحراء...
 وبصرف النظر عما صاحب تنامي هذه الظاهرة من تطور للجريمة عبر الوطنية المتمثلة أساسا في نشاط شبكات دولية متخصصة في الاتجار بالبشر، فإنه لا يخلو مجتمع  اليوم من وجود هذا النوع من العمالة تارة بدافع الحاجة الملحة إليه وثارة رفاها ليس إلا، تماما كما هو الأمر بالنسبة إلى الخادمات الفليبينيات العاملات لدى بعض الأسر المغربية الميسورة.
  وتفاديا للآثار السلبية التي رافقت ظاهرة الخدم في المنازل وبالأخص في دول الخليج العربي التي كانت سباقة في هذا المجال، بدءا بسحب جواز سفر الخادمة ومرورا بالعمل ساعات طويلة والحرمان من العطلة الأسبوعية والسنوية وانتهاء بعدم توفير التأمين الصحي للخدم ومعاملتهم معاملة قاسية  تصل إلى حد الاعتداء الجنسي، لكل هذه الأسباب برزت الحاجة الملحة إلى تنظيم تشريعي يضمن حقوق هؤلاء الخدم سواء كانوا وطنيين أو أجانب .
وعقد الخدمة في البيوت هو من العقود غير المسماة، وهو عقد رضائي في الأصل وملزم لجانبين، وهو من عقود المعاوضة، وهو من عقود المدة.
 وإذا كانت  العديد من القوانين المقارنة قد استثنت خدم البيوت من الأحكام الخاصة بعقود العمل كالقانون العراقي والمغربي ( المادة 4 من مدونة الشغل )، فإن بعض التشريعات العربية الحديثة، بادرت إلى تنظيم هذا النوع من العقود وتعريف خدم المنازل بموجب قانون خاص اصطلح عليه قواعد وشروط العمل الخاصة بالمستخدمين بالمنازل، ومن ذلك التشريع الذي صدر في سلطنة عمان تحت رقم 189-2004 الصادر في 16 يونيو 2004 ، بحيث نص  في مادته الأولى « يعد مستخدما بالمنزل كل شخص يؤدي عملا داخل المنزل أو خارجه ويمكنه بحسب طبيعة عمله الإطلاع على أسرار من استقدمه، ويعد مستقدما كل شخص يستقدم هذا المستخدم للعمل لديه تحت إدارته وإشرافه «.
وإذا كان المشرع العماني قام بتعريف خدم البيوت في ضوء عنصر التبعية، إلا أنه لم يبين طبيعة العمل الذي يؤديه المستخدم في المنزل هل هو عمل ذهني أم مجرد عمل يدوي؟ وبالتالي كان حريا بالمشرع العماني أن يعرف خادم المنزل بأنه كل شخص يؤدي عملا يغلب عليه الطابع اليدوي داخل المنزل أو ملحقاته، على اعتبار أن الأشخاص الذين يقومون بأشغال ذهنية لمصلحة صاحب البيت كالكاتب الخاص يخرج عن طائفة خدم المنازل، وبالتالي فهم خادعون لأحكام قانون العمل.
 كما تم تعريف خدم المنازل في مشروع قانون تم إعداده في دولة الكويت، بحيث نص المشروع في مادته الأولى من الباب الأول « المقصود بالعمالة المنزلية وفق أحكام هذا القانون كل ذكر أو أنثى يكلف بالقيام بأعمال يدوية في المساكن الخاصة ولحساب الأفراد وذلك بموجب عقد مكتوب، وهذه الأعمال على سبيل المثال هي سائق، طباخ، عامل تنظيف، مربية أطفال، مرافق لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة ، رعاة الأغنام والمزارعون «.
ومن الطبيعي أن تتأثر هذه المبادرات التشريعية في تعريف خدم البيوت بآراء الفقه في الموضوع، بحيث عرف الدكتور محمود جمال الدين زكي خدم المنازل بالقول :» خدم المنازل هم العمال المخصصون لأعمال تتصل بذات صاحب العمل، إما مباشرة بالعناية بشخصه أو بأشخاص من ذويه، كالطاهي والمربية أو بصفة غير مباشرة عن طريق أشياء مملوكة له، كالخادم في منزله ، وسائق سيارته، وحارس مسكنه، وذلك بتأدية أعمال مادية دنيا «.

بقلم: يونس العياشي, قاض ملحق بوزارة العدل والحريات
دكتور في الحقوق

المواطنة مفهومها وابعادها القانونية

المواطنة مفهومها وابعادها القانونية
حسام عبدالله علي
hussam_en@yahoo.com
2008 / 3 / 21
سار مبدأ المواطنة في العراق نحو الهاوية، اذ شهد الواقع التاريخي المعاصر الاثر التخريبي الفادح الذي مارسته الانظمة السياسية وخاصة في الفترة الاخيرة الذي كان الولاء فيها فقط للنظام والسلطة حتى تحول هذا المبدأ الى تعسف لم يشهد له نظير في تاريخ العراق. ان السلطات العراقية لم تنصف ولو الحدود الدنيا من العدل والمساواة والتكافؤ في تعاملها مع مواطنيها بل همشت المبادىء الاساسية للمواطنة وان عملية اعادة بناء الانسان في العراق ليكون مواطنا حقيقيا قادرا على المساهمة الفاعلة في ادارة شؤون بلده تتطلب تأسيس مبدأ المواطنة على اسس حقيقية تتناسب مع قيام نظام سياسي ديمقراطي تعددي.
تعاريف المواطنة من حيث المفهوم...
عرفت المواطنة تعاريف متعددة منها:-
1-علاقة بين الفرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة.(حسب تعريف دائرة المعارف البريطانية)
2-هي عضوية كاملة في دولة او في بعض وحدات الحكم.(حسب تعريف موسوعة الكتاب الدولي)
3- هي اكثر اشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالا(موسوعة كولير الامريكية) فالموسوعات الثلاث تؤكد على انه في الدول الديمقراطية كل من يحمل جنسية الدولة من البالغين الراشدين يتمتعون بحقوق المواطنة فيها وهي لذلك لاتميز بين المواطنة والجنسية.
4- فكرة المواطنة فهمت على انها تحالف وتضامن بين اناس احرار أي متساوون في القرار والدور والمكانة ورفض التمييز بينهم على مستوى مواطنتهم واهليتهم على اساس الدين والقومية والعرق والجنس.
5- المواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له ابعاد عديدة ومتنوعة منها ماهو مادي- قانوني ومنها ماهو ثقافي- سلوكي ومنها ما هو وسيلة وماهو غاية يمكن بلوغها تدريجيا. ولذلك فان نوعية المواطنة في دولة ما تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري.


عناصر ومقومات المواطنة:-
هناك حد ادنى من الشروط التي تسمح بتحديد مبدأ المواطنة في دولة ما من عدمه وهي:-
1- الحقوق المدنية والدستورية.
2- ضمانات المشاركة السياسية الفاعلة.
3- الحد الادنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية.
4- حد ادنى من المسؤولية تجاه تنمية فرص العمل والرعاية الاجتماعية في حالة العجز والبطالة، ومن اجل التعليم والصحة والتنمية الثقافية.
5- القاسم المشترك المعبر عن وجود قناعة فكرية وقبول نفسي والتزام سياسي بمبدأ المواطنة في بلد ما، في التوافق المجتمعي على اعتبار المواطنة وليس أي شيء اخر عداها هي مصدر الحقوق اناطة الواجبات بالنسبة لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز ديني او عرقي او جنسي ومن ثم تجسيد ذلك التوافق في دستور ديمقراطي يتضمن خمسة مبادىء ديمقراطية عامة وهي:-
أ‌- لاسيادة لفرد ولا لقلة على الشعب أي الشعب مصدر السلطات
ب‌- سيطرة احكام القانون والمساواة امامه.
ت‌- عدم الجمع بين أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية او القضائية في يد شخص او مؤسسة واحدة(الفصل بين السلطات).
ث‌- ضمانات الحقوق والحريات العامة دستوريا وقانونيا وقضائيا ومجتمعيا من خلال تنمية قدرة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني على الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الانسان.
ج‌- تداول السلطة سلميا بشكل دوري وفق انتخابات دورية عامة حرة ونزيهة تحت اشراف قضائي مستقل وشفافية عالية تحد من الفساد والافساد والتضليل في العملية الانتخابية.
6- اعتبار جميع الافراد على ارض الدولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات يتمتع كل فرد منهم بحقوق والتزامات مدنية وقانونية متساوية كما تتوفر ضمانات وامكانيات ممارسة كل مواطن حق المشاركة السياسية الفعالة وتولي المناصب العامة.
7- يقوم مبدأ المواطنة على ضرورة وجود اساسين من ضمن اسس مهمة هي:- أ‌- المشاركة في الحكم
ب‌- المساواة بين جميع المواطنين.
النتائج المترتبة على مبدأ المواطنة:-
يترتب على تبني الدولة لمبدأ المواطنة وتعميقه نتائج مهمة على صعيد الفرد والدولة:-
اولا:- على صعيد الفرد
أ- يتمتع الفرد في دولة ما بالحقوق والتي تمثل التزاما على النظام السياسي والدولة ومنها:-
1- الحق في الحياة والامن والسلام وتكوين اسرة.
2- حرية العقيدة والفكر والتعبير والكتابة.
3- الحق في المساواة امام القانون وحق التظلم امام القضاء.
4- الحق في الملكية الخاصة ومشاركته في الملكية العامة والثروات وادارتها واستثمارها.
5- عدم التعرض للاعتقال التعسفي والتعذيب والنفي.
6- حق المشاركة السياسية وادارة الدولة والشؤون العامة.
7- حق الانتماء الى الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وتكوينها.
8- الحق في الترشيح للمناصب العامة والانتخابات.
9- الحق في الرفاه الاجتماعي والاقتصادي والضمان الاجتماعي في حالات العجز والبطالة.
10- الحق في الرعاية الصحية والعلمية والثقافية.
11- الحق في العمل وممارسة النشاطات الاقتصادية المختلفة دون قيود.
12- حق التنقل والسفر دون قيود.
ت‌- تمتع الفرد بالحقوق تجاه الدولة يرتب عليه التزامات وواجبات تجاه الدولة ومن اهمها:-
1- الخضوع لسلطة القانون والقواعد الدستورية وعدم مخالفتها.
2- الايفاء بالالتزامات المالية المقررة على الفرد تجاه الدولة كالضرائب والديون والحفاظ على الملكية العامة والاموال العامة.
3- الدفاع عن امن الدولة وسيادتها وتنفيذ الالتزامات المفروضة عليه في حالتي الحرب والسلم.
4- الحفاظ على امن المجتمع والدولة على الصعيد الداخلي وعدم المساس به او التورط بجرائم التجسس والارهاب والتخريب والابادة الجماعية.
5- ان يكون عنصرا مؤثرا وفاعلا ومنتخبا حسب قدراته ومؤهلاته.
6- ان يكون مع غيره رأيا عاما مؤثرا في تقويم العملية السياسية من خلال مشاركته السياسية على صعيد الانتخابات او الرقابة عبر منظمات المجتمع المدني او القوى السياسية والاعلام وغيرها مما يحفظ الحقوق والحريات من تجاوز السلطات العامة.
ثانيا: على صعيد الدولة:-
تمثل حقوق الافراد واجبات على الدولة من خلالها تراعي مبدأ المواطنة وهي:-
1- ان تلتزم السلطات العامة بالقواعد الدستورية والقانونية وسيادة حكم القانون.
2- ضمان الفصل التام للسلطات.
3- ضمان استقلال القضاء.
4- ضمان المساواة امام القانون والمساواة في تولي الوظائف العامة على اساس الكفاءة والمؤهلات دون تمييز على اسس عرقية او دينية او قومية او جنسية.
5- الحد من تعسف السلطات بالرقابة السياسية(رقابة السلطة التشريعية) على(السلطة التنفيذية) والرقابة القضائية.
6- ضمان الرقابة الادارية والمالية على اجهزة ومؤسسات الدولة.
7- التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة.
8- ضمان اتخاذ اجراءات فعالة لمكافحة الفساد الاداري.
9- عدم حرمان المواطنين من المشاركة السياسية وضمان حقوق الاقليات.
10- التزام السلطات العامة بعدم انتهاك حقوق الافراد وحرياتهم الاساسية إلا على وفق اجراءات لضمان النظام العام والاداب العامة.
11- الحد من حالات الطوارىء والظروف الاستثنائية التي تعد مسوغا للنظام السياسي لانتهاك حقوق الافراد الا على اسس دستورية وقانونية محددة وتحت رقابة القضاء.
12- توفير فرص النماء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للافراد وتوفير فرص العيش الرغيد والرفاهية العامة واستثمار موارد وثروات البلد بصورة علمية سليمة وتوزيع الثروات على اسس العدالة والانصاف.
13- الحفاظ على امن وسيادة الدولة داخليا وخارجيا.
كل هذه المفاهيم وغيرها تناولناها بمؤتمر المعهد العراقي الذي عقد في اربيل في تموز 2007 من قبل الدكتور ساجد الركابي عميد كلية القانون/جامعة البصرة

دراسة في القانون :الجهوية الموسعة بالمغرب خارطة طريق ملكية.(الجزء الأول)

الجهوية الموسعة بالمغرب
خارطة طريق ملكية
الدكتور سعيد جفري
أستاذ باحث
جامعة الحسن الأول كلية الحقوق سطات
سلسلة اللامركزية والادارة الترابية 
19
الجهوية المتقدمة بالمغرب
رهان للحكامة التشاركية
الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة
2012
يطرح موضوع الجهوية والجهوية الموسعة تساؤلا مبدئيا،يهم في المقام الأول إشكالية التحديد المفاهيمي لمثل هذه المصطلحات التي أصبحت حاضرة وبقوة في المقاربات المقارنة للتنمية والتنمية المستدامة، وأيضا أصبح لها نفس الحضور خاصة في الاهتمام المرتبط بالمسار العام للتطور اللامركزي المغربي سواء في أبعاده التاريخية القديمة، أو في أبعادة الحاضرة من خلال التراكم الموضوعي لتجربة التنظيم الجهوي في ظل القانون رقم 96/47، وكذا الأبعاد المستقبلية لذات المفهوم من خلال المسار الذي تعرفه القضية الوطنية الأولى(قضية الصحراء) والدفع المغربي بمبادرة الحكم الذاتي، وكذا التحول المتجدد للتعاطي مع إشكاليتي الديمقراطية والتنمية من خلال تطوير ورش الجهوية للانتقال بهذه الأخيرة من مقاربة تقليدية ذات جوهر إداري إلى جهوية موسعة ذات جوهر اقتصادي وتنموي.
إن الجهوية كمقاربة للتدبير المحلي يمكن تحديدها من خلال منظومة الجهة في مستواها التقليدي كجماعة محلية معترف لها بمجموعة من الاختصاصات والصلاحيات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتتمتع في سبيل الاضطلاع بهذه الصلاحيات بمجموعة من الإمكانات ووسائل العمل المادية والبشرية،أما الجهوية الموسعة فإنها هي الأخرى مقاربة للتدبير المحلي،إلا أنه تدبير يحوز على درجة متقدمة سواء في التمثيلية الشعبية أو في الصلاحيات والاختصاصات الجهوية،التي قد تنظم بمقتضيات دستورية أو في الوسائل والإمكانات التي قد تصبح مقسمة بين كل من الدولة كوحدة مركزية والجهات كوحدات محلية.
إن الجهوية الموسعة ليست في آخر المطاف سوى "تمكين المواطنين في دائرة ترابية محلية محددة من تدبير أمورهم بأنفسهم، وذلك من خلال هيأت جهوية ينتخبونها، لها من الصلاحيات والموارد مايمكنها من تحقيق التنمية المحلية، لكن ليس في انفصال عن الدولة وعن السلطة المركزية.
فالجهوية الموسعة لاتعني الانفصال ولا التجزيء ولا التقسيم ولا الخروج عن سيادة الدولة."
هذه المقاربات" التي لا تستقل من حيث المبدأ عن مرجعية مفهوم الجهوية،تظل رغم ذلك ذات طبيعة ووقع خاص حسن استحضار مصطلح الجهوية الموسعة، التي ستصبح من خلال الوحدات الجهوية لها ذاتية موضوعية في الفعل التنموي العمومي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن المسار الجهوي بالمغرب هو مسار ملكي بامتياز سواء في تطوره العام أو في مختلف أبعاده وديناميته الخارجية والداخلية، وهذا مايكرسه الخطاب الملكي في جانب من محطاته التاريخية كما هو الشأن بالنسبة لخطاب الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء أو خطاب تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية،واللذين بالإمكان اعتبارهما بحق الأساس المرجعي لخارطة الطريق الملكية للجهوية الموسعة.
(في الجزء الثاني: المرجعية الملكية في الجهوية والجهوية الموسعة)