الثلاثاء، 11 مارس 2014

دراسة في القانون: نظام بيع العقار في طور الإنجاز عديم الفعالية (1/3)


بقلم:  الدكتور محمد الباكير, أستاذ بكلية الحقوق بالدارالبيضاء
جريدة الصباح الأربعاء, 13 نوفمبر
عندما صدر القانون رقم 00-44 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز، استبشر المهنيون، و في مقدمتهم رجال القانون، خيرا بما جاء فيه من مستجدات. ذلك أن المشرع قد سعى فيه، على ما بدا للجميع، إلى وضع إطار قانوني هام للمعاملات والعقود المبرمة بشأن العقارات التي مازالت في طور الإنجاز، قادر على توفير الحماية اللازمة لمصالح المستهلكين، سواء من خلال تجاوز سلبيات العقود المعروفة بتسمية «الوعد بالبيع»، أو من خلال تمكين المشترين من ضمانات معقولة مقابل ما يدفعونه من أموال.


لعل أهم هذه الضمانات وأبرزها تتمثل في ذلك النظام الذي وضعه المشرع بخصوص عملية إبرام عقد البيع الابتدائي، سواء من حيث شكلياته، أو زمنه، أو الالتزامات المفروضة على رب المشروع قبل الشروع في إبرام العقود، أو تلك التي تقع على عاتقه بعد إبرامها. فهذا النظام إذا كان يرمي كما هو حال أنظمة كافة أنواع العقود، إلى ضبط التزامات الأطراف وضمان حقوقهم خلال التنفيذ، وحماية مصالحهم المشروعة عند وقوع إخلالات في تنفيذ تلك الالتزامات، فإن الهاجس الرئيسي وراءه كان هو حماية أموال المستهلكين من الاستغلال من قبل المنعشين العقاريين، الذين يقومون بتحصيلها تحت غطاء اتفاقي لاستعمالها في تمويل مشروعاتهم المختلفة، دون عناية بمصالح دافعي هذه الأموال، أو مع الإضرار البالغ بها.
فمن بين الممارسات المشينة التي كان ولا يزال عدد كبير من المنعشين العقاريين يقومون بها، أنهم يبرمون وعودا بالبيع مع المستهلكين قبل الشروع في أشغال البناء بواسطة عقود عرفية عموما، مع التعهد بتسليم العقارات في آجال معينة، لكن دون إعطاء أي ضمانات ما عدا عقد الوعد نفسه وما يتضمنه من شروط جزائية هزيلة، ثم يستغلون تلك الأموال في تغذية أنشطتهم المختلفة. فإذا استطاعوا إتمام البناء في الأجل المتفق عليه، وهو أمر نادر الوقوع، كان به، وإلا فإنهم يماطلون ويسوفون، ولا يكون أمام المستهلك سوى الانتظار مع وعد بتعويض ضعيف، أو سلوك المساطر القضائية التي لا تخرج عن سبيلين: إما دعوى إتمام البيع، وإما الفسخ مع تعويضات لا تتناسب مع حجم الضرر الذي لحق بهم.  وفي جميع الأحوال يظل المنعش العقاري المستفيد الأكبر، لأنه يحتفظ بالأموال التي اختلسها من المشترين لأطول مدة ممكنة ضمن أصوله النقدية ويستخلص منها أكبر نفع ممكن و فوائد أهم من أن تتأثر بالتعويضات التي قد يدفعها إلى زبنائه.
لذلك نجد أن التشريع الخاص بالعقارات في طور الإنجاز فرض صب المعاملات المتعلقة بها في قالب عقد ذي شكليات وشروط دقيقة، يضمنها تدخل محرر للعقود تتوفر فيه الأهلية اللازمة، وذلك لتحديد الالتزامات الواقعة على الأطراف بشكل ينفي عنها اللبس ويعزز الحماية المقررة للحقوق المترتبة عن العقد. غير أن الأمر لم يقف عند تحديد الشروط الشكلية للمحرر الحامل للاتفاق، بل تعداه إلى رسم إطار مفاهيمي، وزمني، وإجرائي متميز.
فمن جهة أولى، ورغبة في قطع طريق التحايل، جعل المشرع من صفة «بيع عقار في طور الإنجاز» تكييفا قانونيا يلتصق بكل اتفاق يتضمن التزاما من أحد الطرفين بإنجاز عقار داخل أجل محدد مقابل التزام الطرف الآخر بأداء الثمن تبعا لتقدم الأشغال. وبالتالي، فإن نظام بيع العقار في طور الإنجاز يفرض نفسه على الأطراف كلما تضمن اتفاقهم الالتزامات المذكورة، حتى ولو فضلوا تسميته وعدا بالبيع أو أي اسم آخر.
 من جهة أخرى، وضع القانون المذكور لإبرام العقد الرامي إلى بيع عقار مازال في طور الإنجاز عتبة زمنية، تتحدد بتاريخ الانتهاء من أشغال الأساسات على مستوى الطابق الأرضي، والغاية من هذا التحديد الزمني تجنيب المستهلك فخاخ النصب وإرغام المنعشين على التحلي بقدر أدنى من الجدية عبر إجباره على مباشرة الأشغال والاستمرار فيها إلى النهاية. ويبقى من المفيد أن ننبه إلى أن الفصل 5-618 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على ذلك، حتى وإن لم يعتن بتوضيح مصير الاتفاقات المبرمة قبل الانتهاء من أساسات الطابق الأرضي، فإنه عندما أكد على أنه لا يمكن إبرام العقد الابتدائي قبل ذلك التاريخ، يكون قد وضع مانعا قانونيا أساسيا يجعل قيام هذا العقد أمرا مستحيلا استحالة قانونية. ومن تم فإن كل اتفاق يتم دون احترام الحد الزمني المذكور يكون باطلا بطلانا مطلقا ولا يسوغ التمسك به.
بل إنه قد يكون من الممكن مساءلة محرر العقد لتعويض الضرر اللاحق بالطرف حسن النية إذا حرر العقد دون مراعاة المانع المذكور أو دون التأكد من ارتفاعه. وهو ما يفسر وجوب إرفاق العقد بشهادة مسلمة من قبل المهندس المختص تثبت الانتهاء من أشغال الأساسات الأرضية للعقار، طبقا لآخر فقرة من الفصل 4-618 من قانون الالتزامات والعقود.  
ومن جهة ثالثة، نجد أن التأطير التشريعي امتد إلى فرض عدد من الالتزامات الوقائية –إذا صح التعبير- الكفيلة يضمان جدية المنعش العقاري و حماية أموال الزبناء. فقد أوجب القانون على البائع أن يضع دفترا للتحملات يتعلق بالبناء ويتضمن مكونات المشروع وما أعد له ونوع الخدمات والتجهيزات التي يتوجب إنجازها وأجل الإنجاز والتسليم، وأن يودع هذا الدفتر مع التصاميم و مع نظام الملكية المشتركة (إذا تعلق الأمر بسكن مخصص للملكية المشتركة) بالمحافظة العقارية إذا كان العقار محفظا، وإلا فبكتابة ضبط المحكمة الابتدائية المختصة، وذلك لتمكين العموم من الاطلاع على كافة المعلومات والمعطيات الخاصة بالعقار، وتقليص إمكانيات تلاعب البائعين سيئي النية. ثم إنه لم يقف عند ذلك، إذ جعل هذه الوثائق جزءا من العقد، فأوجب إلحاق نسخ مطابقة للأصل منها بالعقد، كما فرض أن يتم توقيعها من قبل البائع والمشتري معا، وأن تسلم إلى المشتري نسخة منها مشهود بمطابقتها للأصل وبصحة إمضائه عليها.
هذه الالتزامات تعزز جدية المنعش العقاري وحسن تنفيذه لشروط البيع، من ناحية، وتمنح للمشتري ضمانات إضافية بشأن استجماع العقار لكافة المواصفات التي كانت وراء سعيه لتملكه، من ناحية أخرى.

دراسة في القانون : الطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية (1/3)


مما لاشك فيه، أن معظم الأنظمة القانونية تخول للنيابة العامة بوصفها ممثلة للمجتمع، صلاحية تحريك الدعوى العمومية ضد كل شخص ارتكب جريمة  من الجرائم بالنظر لما تحدثه من اضطراب داخل المنظومة المجتمعية.

يقوم نظام المتابعة الجنائية على مبدأين، الأول وبمقتضاه لا تملك النيابة العامة سلطة تقدير ملاءمة تحريك أو رفع الدعوى الجنائية، بحيث يتوجب على النيابة العامة بمجرد علمها بارتكاب جريمة ، تحريك الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي (والمساهم أو المشارك إن وجدا) الذي نسبت إليه في المحضر أو الشكاية أو الوشاية، على اعتبار أن تقدير الأدلة متروك أمره إلى القضاء سواء كان قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، وهذا المبدأ يعرف بشرعية المتابعة.
أما الثاني فبموجبه يتم تخويل النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك الدعوى العمومية من عدمها بناء على ما توفر لديها في المحضر أو الشكاية أو الوشاية، فإذا ارتأى نظرها تحريك المتابعة أحالتها على قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، أما إذا قررت العكس فإنها تصدر مقررا بحفظ الشكاية أو المتابعة  ضد من نسب إليه الفعل الجرمي.
وباستقراء موقف بعض التشريعات المقارنة يتضح جليا أنها تبنت المبدأ الثاني القاضي بتخويل النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك المتابعة أو حفظها، وفي هذا الصدد نصت المادة 61 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على ما يلي:» إذا رأت النيابة العامة أن لا محل للسير في الدعوى، تأمر بحفظ الأوراق». كما ذهب قانون المسطرة الجنائية الفرنسي في التوجه نفسه من خلال الفصل 40-1 في فقرته 3 المعدل بمقتضى قانون رقم 204- 2004. 
وفيما يخص المشرع المغربي فإذا كانت المادة 383/ من قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959 الملغى لم يرد فيها مصطلح الحفظ، فإن القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية لسنة 2003 نص صراحة على هذا المصطلح، وعليه ففيما يخص وكيل الملك نصت الفقرة 4 من المادة 40 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية «...يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيآت التحقيق أو إلى هيآت الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه...» أما بالنسبة إلى الوكيل العام للملك فقد نصت الفقرة 5 من المادة 49 «...يحيل الوكيل العام للملك ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيآت التحقيق أو إلى هيآت الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه...».
ومن منطلق المسؤولية الملقاة على عاتق النيابة العامة كجهاز قضائي لا يسعى إلى الإدانة، بقدر ما يسعى إلى تطبيق القانون، التطبيق السليم وتحقيق العدالة، فإنه يتعين على أعضائها توخي الحيطة والحذر في شأن المحاضر والشكايات والوشايات المحالة عليها، مع ملاءمة الإجراء للوقائع والأدلة بشكل يضمن حرية المواطن، علاوة على التزام الحياد والمصداقية في كل ما يقومون به من إجراءات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مقرر الحفظ الصادر عن النيابة العامة في شأن جريمة من الجرائم، على اعتبار أن عمل النيابة العامة يجمع بين ما هو إداري وآخر قضائي، الشيء الذي يدفعنا إلى طرح التساؤل حول طبيعته القانونية، هل يعتبر مقرر حفظ الشكاية مقررا قضائيا صادرا عن سلطة قضائية أم مقررا إداريا؟.
إن الإجابة على التساؤل المطروح المتعلق بالطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية يفرض علينا أولا وقبل كل شيء تحديد مفهومه. لذلك سوف نعالج في مبحث أول مفهوم مقرر الحفظ على أن نخصص المبحث الثاني لطبيعته القانونيــة

المبحث الأول: مفهـــوم مقرر الحفظ
إن تحديد مفهوم مقرر حفظ الشكاية من قبل النيابة العامة، يقتضي منا استعراض بعض الآراء سواء على المستوى الفقهي أو على المستوى القضائي.
أولا ـ التعريف الفقهــــي
في ظل غياب تعريف تشريعي لمقرر الحفظ الذي تصدره النيابة العامة، تصدى الفقه لهذه المهمة على اعتبار أن وضع التعاريف يدخل في صميم العمل الفقهي، لذلك كان من الطبيعي أن تتباين التعاريف الفقهية في هذا الصدد.
وفي هذا الإطار، ذهب بعض الفقه المصري إلى القول إن قرار الحفظ أمر يصدر عن النيابة العامة في واقعة سواء كانت جناية أم جنحة أم مخالفة، عقب جمع الاستدلالات، وقبل مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق.
  بينما عرفه البعض الآخر بأنه أمر إداري من أوامر التصرف في الاستدلالات، تصدره النيابة العامة لتصرف به مؤقتا عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع بغير أن يحوز أي حجية يقيدها.
وفي السياق نفسه اعتبر اتجاه آخر بأنه إجراء إداري تصدره النيابة العامة، بناء على محضر جمع الاستدلالات بمقتضاه تعدل النيابة العامة عن توجيه اتهام ورفع الدعوى العمومية نظرا لعدم صلاحيتها للسير فيها.   
كما ذهب تعريف آخر إلى القول بأن مقرر الحفظ إجراء إداري يصدر عن النيابة العامة بوصفها السلطة الإدارية المهيمنة على جمع الاستدلالات، عملا بالمادة 61 من قانون الإجراءات الجنائية وما بعدها، ويجوز العدول عنه في أي وقت، ولا يقبل تظلما، أو استئنافا من المجني عليه أو المدعي بالحقوق المدنية.
 ذ/ لحسن الزتوني ,بـــاحث فـي العلوم القانونيـــة

الثلاثاء، 4 مارس 2014

إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟

إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟
محمد الهيني
مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط

إن قرارات المجلس الأعلى للقضاء قابلة للطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ليس استنادا للفصل 114 من الدستور وإنما استنادا للفصل 118 منه تأسيسا على قاعدة دستورية وطنية ودولية مؤداها عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن ،وهذه قاعذة بديهية ومن مسلمات وأبجديات القضاء الإداري ،ولا يحتاج الطعن لأي نصوص تنظيمية تقر الحق فيه ،لأنه من النظام العام،لكن فعالية هذا الحق وليس ممارسته يتوقف على الارتقاء بالغرفة الإدارية بمحكمة النقض إلى مصاف هرم قضائي إداري يطلق عليه مجلس الدولة أو المحكمة الإدارية العليا
وهكدا ينص الفصل118 من الدستور على أن "حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.
كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة"
هذه القاعدة استقر عليها قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والمحاكم الإدارية حتى قبل صدور الدستور ،لكون الطعن بالإلغاء من النظام العام وعنوان الشرعية وسيادة القانون .
وتتميز دعوى الإلغاء بمجموعة من الخصائص نذكر منها :
- أنها دعوى عينية و موضوعية :
لقد اعتبرت المحكمة الإدارية بوجدة في حكم لها صادر بتاريخ 24/5/2000، أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية وعامة،تستهدف مخاصمة القرار الإداري، وبالتالي لا مجال للتدخل الإرادي فيها، ما دام الحكم الصادر بشأنها سيستفيد منه كل من له علاقة به. ويقصد بالتدخل الإرادي المنصوص عليه في الفصل 111 وما بعده من قانون المسطرة المدنية،حق كل من له المصلحة في التدخل في النزاع المعروض أمام المحكمة، وهو يكون إما انضماميا أو اختصاميا.
– أنها دعوى مصلحة عامة:
ذلك أن دعوى الإلغاء ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، فإلغاء القرار الإداري لا يعني إلا شيئا أساسيا، وهو محو نتائج عدم المشروعية، الشيء الذي يدفع بالإدارة المعنية إلى الاتعاظ، وعدم مخالفة القانون في مثل نفس النازلة، لذلك قيل بأن حكم الإلغاء له حجية مطلقة في مواجهة الكافة.
- أنها دعوى مشروعية:
فهي دعوى تنتمي إلى قضاء المشروعية، وهذا يعني أن دعوى الإلغاء لا ترفع إلا ضد قرار إداري غير مشروع، لمخالفته قواعد القانون، أما إذا خالفت الإدارة بقرارها اعتبارات العدالة المجردة مثلا، دون مخالفة القانون، فإن هذه المخالفة لا تكفي وحدها لرفع دعوى الإلغاء.
– أنها دعوى من النظام العام:
تعتبر أيضا دعوى الإلغاء أيضا دعوى من النظام العام، وذلك نظرا للنتائج التي تترتب عنها والتي تتجلى فيما يلي :
- لا يجوز التنازل مسبقا عن رفع دعوى الإلغاء،أي قبل إقامتها، بخلاف الأمر في الدعوى الشخصية،لأنه بعد رفعها وإقامتها،يجوز لصاحب المصلحة التنازل عنها .
- كذلك لا يجوز التنازل عن حكم قضى بإلغاء قرار إداري غير مشروع، فهو قد ألغي ولا يمكن إحياؤه من جديد عن طريق التنازل، وتبقى الإدارة المحكوم عليها دائما مطالبة بتنفيذه.
- الأصل هو أن دعوى الإلغاء ترفع ضد أي قرار إداري،دون حاجة إلى النص على ذلك صراحة.
- دستورية الحق في التقاضي، لأن الحق في التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه، وعن مصالحه التي يحميها القانون طبقا للفصل 118 من الدستور المغربي الجديد.
- يعتبر الدفع بقوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء من النظام العام، يمكن للمحكمة إثارته تلقائيا على خلاف القواعد العامة.
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 13-9-2012 "تكتسي قوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء طابع النظام العام، باعتبار أنها عنوان المشروعية وسيادة القانون، ويمكن للمحكمة بناء على ذلك تلقائيا أن تثير هذا الدفع".
- عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن، لأن كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة طبقا للفقرة الثانية من الفصل 118 أعلاه.
ولاشك أن سمو القاعدة الدستورية،على ماعداها من نصوص قانونية،يشكل تكريسا للشرعية وسيادة للقانون،باعتبارهما من مبادئ دولة الحق والقانون التي تأبى تحصين أي قرار إداري ،مهما علا شأنه،وتعددت مصادره،واختلفت مجالاته من الرقابة القضائية،لكون القضاء هو الحامي الطبيعي والحارس الأمين للحقوق والحريات .
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بوجدة صادر بتاريخ 8-3-2000"إن الطعن بالإلغاء ضد المقررات الإدارية يهدف إلى حماية الشرعية، ولا ينفلت منه أي مقرر إداري ولو تعلق الأمر بمقرر صدر في إطار قانون،ينص على عدم قابليته للطعن، مادام أن مبدأ مراقبة الشرعية يعتبر مبدأ دستوريا".
كما جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير صادر بتاريخ 20-7-1995 "تعتبر دعوى الإلغاء بمثابة دعوى القانون العام لإلغاء القرارات الإدارية عموما، أي يمكن أن توجه ضد أي قرار إداري دونما حاجة إلى نص قانوني صريح.
وحيث إنه لا يقبل وفقا لروح قانون 41-90 تحصين أي قرار من مراقبة قاضي المشروعية وحرمان المواطن في دولة الحق والقانون ،ضمانا لحقوقه وحرياته من مراقبة أعمال الإدارة،عن طريق دعوى الإلغاء التي تمارسها هيئة مستقلة عن الإدارة،تتكون من قضاة تابعين للسلطة القضائية،ولا يخضعون للتسلسل الرآسي أو لأي نوع من الوصاية،ويستعملون اختصاصاتهم من أجل حماية المواطن والإدارة معا".
وقد طبقت محكمة النقض ذات المبدأ في "قضية وليام وول" حيث لم يقبل إدعاء الإدارة،بكون القرار غير قابل للطعن ، بعلة أن النص المستند عليه هو نص عام،لا يمكن الاحتجاج به لأن إرادة المشرع في استبعاد دعوى الإلغاء لم تكن واضحة.
نفس المبدأ أكده قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 27/12/2006 جاء فيه "إذا كان الفصل 12 من ظهير 27/04/1919 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية،قد نص على عدم قابلية مقررات مجلس الوصاية للطعن، فإن هذا المنع لا يمكن أن ينسحب أثره على دعوى الطعن بالإلغاء،الذي يمكن القضاء الإداري من بسط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية، وفحص مدى مطابقتها للقانون.
وقد توج هذا المسار القضائي الرائد للقضاء الإداري بالمغرب،في منع وحظر تحصين أي قرار الإداري من الإفلات من الرقابة القضائية،بتأكيد الدستور الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 29 يوليوز 2011،على هذا المبدأ لأول مرة في الفصل 118 منه،بأن" كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة. "
وإذا كان الدستور قد ارتقى بقاعدة عدم تحصين القرارات الإدارية من الطعن إلى مستوى القاعدة الدستورية ذات القيمة الأسمى، والتي تحتل مركزا قياديا ورئيسيا في هرم التراتبية التشريعية، فإن أي نص قانوني لا ينضبط لمفهوم القاعدة الدستورية، يكون مشوب بعيب عدم الدستورية
الحاجة لإحداث المحكمة الإدارية العليا لدعم فعالية الطعن في قرارات الوضعية الفردية الماسة بالقضاة

إن بناء صرح قضاء إداري فعال ومتخصص في البت في المنازعات الإدارية متوقفا على إحداث محكمة إدارية عليا قائمة بذاتها كما بشر بها الدستور الجديد(الفصل 118) التي ستعلو الهرم القضاء الإداري،لتحقق ازدواجية كاملة للقضاء ،تسهر على مراقبة تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا وتوحيد الاجتهاد القضائي،وبالتالي الإسهام في ضمان الأمن القضائي الذي أشار إليه الفصل 119من الدستور.
ولا شك أن معظم التغيرات الحاصلة في المنظومة الدستورية مست عمل القضاء الإداري على مستوى إقرار مبدأ دستورية الرقابة القضائية الإدارية وحظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري والقضائي،لذلك يلزم التأكيد على :
-أن القضاء الإداري خيار استراتيجي دستوري لا محيد عنه في مواصلة بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون،بتنصيص الدستور صراحة على القضاء الإداري في الفصلين 114و 118 منه،وحماية مجال اختصاص هذا القضاء.
-ملائمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد
-استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.
-دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.
-تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة ،فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملائمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في نفس الوقت وبت الطمأنينة والأمان على مصائرهم .
-تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية .
-ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.
- مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا.
- تمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية.
-تنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي.

-إحداث مؤسسة المفوض الملكي وتدعيم دورها على صعيد المحكمة الإدارية العليا
-إحداث غرفة التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري .
ومما لاشك فيه فإنه لا يعقل بعد أكثر19من سنة من عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث المحكمة الإدارية العليا لأكثر من هذا الوقت ،مادام أن إحداثها له مرجعية سامية أكدها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 حيث قال حفظه الله "ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين".وهو خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين الغيوريين على حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه،والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي تخلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائين ،وتوطد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا،وتدعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه ،وتكرس توحيد الاجتهاد القضائي وتحقيق الأمن القانوني والقضائي
وقد مكن الإصلاح الدستوري من خلق دينامية جديدة على مستوى القضاء الإداري، من خلال إرسائه لمبادئ الحكامة الجيدة، مما أصبح معه القضاء المذكور مدعوا إلى الانخراط في دعم وتكريس المبادئ المذكورة خلال بته في المنازعات المعروضة عليه، فضلا على أن المستجدات الدستورية فرضت على مؤسسة القضاء الإداري ضرورة مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات،كما استوجبت تطوير تنظيم القضاء الإداري،ذلك أن التنصيص الدستوري الصريح على دور القضاء في ضمان الأمن القضائي،يقتضي تقريب القضاء الإداري من المواطن "قرب الجودة والإنصات والشفافية "لا "قرب المسافة والطرق"، وذلك بإقرار حقيقي لازدواجية القضاء،مع إعادة النظر في الخريطة القضائية.
و بخصوص الخريطة القضائية،فإنه لا يمكن الحديث عن حماية القاضي الإداري لحقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، في ظل خريطة قضائية يشوبها عدم التوازن من حيث توزيع المحاكم الإدارية وكذا عددها،تماشيا مع التنظيم الجهوي المرتقب.
وعلى المستوى التشريعي، يتعين إفراد قانون إجرائي خاص بالقضاء الإداري يتلاءم مع خصوصية المادة الإدارية ، ويتدارك الإختلالات الإجرائية التي كشفت عنها الممارسة القضائية.
-الحفاظ على تخصص القضائين الإداري والتجاري ودعمهما بمحاكم جديدة تغطي سائر جهات المملكةوإن كنا نفضل أن يتم الإبقاء على التخصص باعتباره وسيلة وغاية للاحترافية والتمرس والكفاءة في جميع المجالات القانونية و القضائية ،لأن التعميم والوحدة يضر أكثر مما ينفع،ويؤثر على استقرار المنظومة القضائية ويخلق بلبلة في نفوس المتقاضين،مما يساهم في اهتزاز الأمن القانونية والقضائي.
-العدول عن فكرة الأقسام المتخصصة بالمحاكم العادية لأنها ستنسف جهود سنوات من التخصص والتكوين والعطاء والتميز ،وسيصبح التخصص شعار أكثر من ممارسة لأنه لا يعقل أن يوكل لقضاة عاديون ممارسة تخصصات عدة لا علاقة لها بالإطار العام للاختصاص،لاسيما وأنه لا توجد ضمانات على تكوينهم وإفرادهم بنظر هذه المنازعات ذات الطابع التخصصي دون غيرها ،ففكرة تقريب القضاء من المتقاضين لا تتعلق بنظرة تبسيطية لعنصر المسافة"القرب الجغرافي " وإنما المقصود منها مقاربة القرب التخصصي بنظرة"قرب الجودة ".
وفي الأخير نختم بالقول أن الإبقاء على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض كجهة للطعن في قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية مقترح غير دستوري وغير منصف ويخالف مبادئ الحياد والعدالة التي تقتضي تولي جهة قضائية حيادية لا ينتمي أعضائها أو رؤسائها للمجلس ،لأن القاضي في حاجة إلى قاضيه الطبيعي وهو القاضي الإداري على مستوى الدرجة العليا لإحقاق الحقوق ورفع المظالم ورد الشطط ،وبغير ذلك فمصائر القضاة واستقلالهم معلق إلى حين ؟فكيف نحمي المتقاضي والقاضي خائف بل ومذعور عن ضبابية مستقبل يؤرخ له "المتحفظون "على القضاء المتخصص بل والغريبة قواعده عنهم ،والذي سيجعل الطعن على القرارات الماسة بالوضعية الفردية للقضاة بلا عنوان ولا طعم ولا رائحة زكية؟؟وكأني بالمشروع يقول للقاضي اطعن ،فأنت خاسر منذ البداية له؟يكفيك ربح الوقت وخسران القضية؟تحمل جرأة المشرع؟وفتوى المفتين؟فهل من مجيب؟فللتنظر جميعا قرار محكمتنا الدستورية؟